حين لا يُسمّى الفقد
مارس 9, 2026 11:10 صحين لا يُسمّى الفقد
بقلم: نضال آل مسيري – القطيف اليوم
5 يناير 2026
لم يكن ليو طائرًا عابرًا في البيت، بل كان حضورًا دافئًا، وعلاقة صامتة تنسج نفسها دون كلمات.
كنتُ الوحيد الذي يتحرّك له حين أدخل المنزل، كأنه يرحّب بي أو يعرفني قبل أن أقترب.
لم أكن أملك تفسيرًا لذلك، سوى إحساسٍ عميق بأن بيننا ألفة خاصة، وأن ليو اختارني بطريقته.
كنت أحرص على الاهتمام بطعامه وشرابه، وأتابع نظافة قفصه بعناية، وأُخرجه كل أسبوع ليطير، لا تدريبًا بقدر ما هو مشاركة وطمأنينة.
كنت أشعر أن بيننا لغة هادئة لا تُنطق، لكنها تُفهم.
وحين مرض، تغيّر كل شيء.
أربكني مرضه حين لاحظت خمولَه، وفتور حركته، وكيف لم يعد يستسيغ اللعب، ولا الطعام، ولا الشراب.
في تلك اللحظات، استحضرت صورة المرضى، وأدركت أن لا فرق بين الكائنات في الوجع، وأن المرض يُسقط الفوارق كلها، ولا يُبقي إلا الضعف الخالص.
صار قلقي عليه يشبه قلقي على أحد أبنائي؛ تفقدٌ دائم، وحرص على تدفئته، وتغطية قفصه، ومتابعة مستمرة لكل حركة ونَفَس.
كنت أراه كائنًا أستودعه عناية ومسؤولية، لا مجرد طائر.
لكن المرض كان أقسى من النوايا الصادقة، ورغم كل ما قُدّم له من اهتمام، تدهورت حالته.
وفي خضمّ هذا العجز، ظهرت تلك الحالة الهستيرية الداخلية التي ترافق الفقد قبل وقوعه؛ حالة تمتلئ بالخيالات، وبوعود تُقال في السرّ:
“ستعود… وسأفعل لك كذا وكذا… وسأعوضك عمّا فات”.
هي ليست وعودًا حقيقية بقدر ما هي نداءات متأخرة، محاولات يائسة للتمسّك باللحظة قبل أن تنكسر، وصوت داخلي يرفض التصديق، ويقاوم النهاية بالتمنّي.
إنها لغة ما قبل الفقد، حين يحاول القلب أن يفاوض الواقع، وحين يتشبّث الإنسان بالوهم لأن الحقيقة أثقل من أن تُحتمل.
وهنا، فهمت متأخرًا…
أن الارتباط بأيّ روح هو أسمى أنواع الارتباط؛ لا ننتبه إلى عمقه إلا حين الفقد، ولا نُدرك قيمته إلا بعد فوات الأوان.
عندها فقط، نتمنى لو أننا فعلنا المزيد، بل لو استطعنا فعل المستحيل.
اليوم، حين أدخل البيت ولا أراه يتحرّك نحوي، أدرك أن بعض الغياب لا يترك فراغًا…
بل يترك وجعًا صامتًا، لا يُرى،
لكنه يُربّي القلب على الفقد.
قسم : مقالاتي
بواسطة :admin



أكتب تعليقاً
يجب أن تسجل دخولك لتكتب تعليقاً.