
“انتبه جيداً.. مشهد قراءة الطالع، والإيمان به وتصديقه، قد يصل بك للتصديق والإيمان بغير الله”.. هذا المضمون خرجت به “خليج الديرة” بعدما فتحت ملف قراءة الفنجان، ومحاولة معرفة ما سيحدث في المستقبل، عبر التلاعب بأوراق التاروت، أو مسارات النجوم وخلافه.
الأمر يُنذر بالخطر، بعدما دخلت التقنيات وبرامج الذكاء الاصطناعي على خط الغيبيات، لمسايرة الموضة، واستقطاب ضعيفي الإيمان بالله وبالقدر، وزادت الخطورة مع وجود أساليب نفسية، تقنع البعض بأن “الغيبيات” علم له أصوله ومبادئه، التي تستحق التقدير والاحترام على حد زعمهم.
الملف بقدر ما كان متشعباً بين علم النفس، والفلك، والتقنية، والقانون، بقدر ما كان خطيراً، ليس لسبب، سوى أنه بات ظاهرة منتشرة بين صفوف الجيل الجديد، الذي ارتمي في أحضان “الغيبيات والدجل الرقمي”، تحت مسميات “التسلية” و”إضاعة الوقت”، متناسين أن هذه التسلية قد تتحول إلى تصديق وإيمان راسخ، إذا تطابقت نتائج الغيبيات، مع الأمر الواقع.
عريس الغيبيات
في البداية، قالت نوال الحكمي مشرفة في إحدى المدارس: “فاتحت زميلتي في امر أحد معارفي، الذي يريد الزواج منها، وتوقعت أن تسألني عن معلومات تخص أسرته ووظيفته ودخله، ولكني صعقت من أسئلتها المتوالية ما هو برجه، هل هو مائي أم ترابي؟ أو ناري ؟ قلت لها انت مسلمة، هل تؤمنين بهذه الخرافات؟
ردت انها سبق لها الزواج مرتين، ولا تريد أن تفشل للمرة الثالثة، قلتُ لها الأمر بيد الله توكلي عليه.
علم التنجيم
وأدلت هند حبيب اختصاصية لوجستيك برأيها قائلة: “قراءة الفنجان، أو ما يسمى بـ”التاروت” ظهرت على انها تساعد في فهم الشخصية، وفقا لتاريخ ميلادها، وأنها مفاتيح لمعرفة المسار الصحيح لحياتك، ولأن البعض يبحث عن تحسين وضعه المادي، قام بترويج هذه المفاهيم، ليكسب مادياً من وراها، وهذه الامور كلها تدخل في علم التنجيم والعرافة المحرمه شرعاَ؛ نظراً لأنها تفتح باب التعلق بغير الله”. وأضافت “بالنسبة لي لا أصدق هذه الامور نهائياً ! وكما قيل “كذب المنجمون ولو صدقوا”.
ألاعيب الفلكيين.
ومن جانبه، قال الفلكي سلمان آل رمضان إن “هناك أنواعاً لتقسيمات مسار الشمس “البروج”، حيث ينقسم مسار الشمس (خلفية النجوم التي تمر بها الشمس) إلى ثلاثة أنواع رئيسية، وهي: البروج المدارية (الاثنا عشر)، والبروج التي يعتمد عليها المنجمون، ومفترض كل برج أن يكون ٣٠ درجة، ليتكامل ٣٦٠ ولكن تضاف لبعض البروج يوما، لتتكامل مع أيام السنة لتصبح ٣٦٥ يوماً”.
وأضاف: “كانت هذه البروج شبه مطابقة للواقع، قبل نحو ألفي عام، ولكنها تغيرت تماماً الآن، بسبب “الحركة الاهتزازية للأرض” (الناتجة عن جاذبية القمر، وتتكرر كل 26 ألف سنة)، مما جعل حسابات المنجمين الحالية غير دقيقة، ولا تطابق مواقع النجوم الحقيقية، بما يجعل تنجيمهم غير صحيح”.
وتابع آل رمضان “البروج النجمية (الأنواء والطوالع) تعتمد على الأشكال الحقيقية لمجموعات النجوم في السماء، وهي التي اعتمد عليها سكان الجزيرة العربية تاريخياً لحساب المواسم، الطقس، وفصول السنة، وصاغوا حولها قصصاً وأشعاراً”.

قصص البروج
وتناول آل رمضان التقسيم الفلكي الحديث، وقال: “هو التقسيم الرسمي المعتمد من “الاتحاد العالمي للفلك” منذ مطلع القرن الماضي، ولا يقسم البروج بالتساوي، بل تختلف مدة كل برج حسب مساحته الحقيقية في السماء”، مضيفاً “شمل هذا التقسيم دخول كوكبة (برج) جديدة، تسمى “الحواء” التي قلصت مدة برج العقرب، وأخذت الفترة الأطول منه”.
وساق آل رمضان أدلة ومآخذ على حسابات المنجمين، وقال إن “هناك أمثلة واقعية، تثبت عدم دقة التنجيم واعتماده على حسابات قديمة” وتابع: “موقع الشمس الحقيقي: في منتصف شهر مايو (مثلاً 14 مايو)، تنتقل الشمس واقعياً إلى برج الثور، وتخفي نجومه (مثل اختفاء الثريا فيما يعرف بالكنة وبداية الصيف)، بينما يزعم المنجمون في حساباتهم، أن الشمس ستغادر الثور، وتدخل الجوزاء بعد أسبوع فقط”.
وأكمل “يقتصر المنجمون غالباً في حسابات الطوالع على الكواكب المرئية قديماً مثل المريخ والزهرة، ويتجاهلون الكواكب غير المرئية بالعين المجردة، وخطأ المنجمين يظهر واضحاً عند رصد السماء؛ إذ يزعمون وجود كوكب في برج معين، بينما يراه الراصد فلكياً بالقرب من نجم ينتمي لبرج آخر”.
التعامل مع المجهول

وكان لعلم النفس رأيه الخاص، ومثٌل هذا العلم، محمد سليس الباحث في علم النفس الكلينيكي والجنائي في جامعة “ايراسمس” في هولندا، قائلا: “ظاهرة الادمان على قراءة الأبراج والفنجان تحتاج الى تأصيل وتفسير نظري، حيث تنطلق من العام الى الخاص، وفي نطاقي جلب المنفعة، ودفع المضرة، وهي القواعد الأساسية التي يتحرك فيها الانسان، ويخرج من المجهول الى المعلوم، أومن الغيب الى المعرفة، فهو يكره وجوده في عالم الظلمة الفكرية والنفسية، فكل ما هو مجهول يقلق الانسان، سواء كان المستقبل أو في الماضي، ودائماً ما يبحث عن الاجابات، وعن تفسير لكل شيء، مثلاً عند ضياع فرصة حياتية منه، أو وجود خلل في العلاقة الزوجية، أو ألم به مرض ما، فهو يحاول ان يبحث له عن سبب في التفسيرات المادية، فيرجعها الى “العين” أو أي تفسيرات واضحة، تخرجه من الضبابية الى الوضوح”، مضيفاً أن “الخلاصة أن طبيعة شخصية الانسان، إذا قسناها بالبيوت التي يسكنها واستخدمنا الرمزية البيئية حتى نفهم أنواع الشخصيات يمكننا القول بان بيوت الصفيح أو الخيام المهتزة ترمز للشخصية “الذهانية” أو الهشة؛ التي تكون هويتها متقلبة وغير ثابتة، وتتأرجح مواقفها بسهولة، (مثل قبول ورفض الحسد، بناءً على الحالة الجسمانية والمزاجية). وترمز البيوت الإسمنتية للشخصية المستقرة “العصبية”؛ تكون هويتها ثابتة، وتتميز بالواقعية والتمسك بالمنطق المادي، وترفض التفسيرات الغيبية البعيدة.
تفسيرات المستقبل
وأضاف سليس “المحرك الأساسي للإنسان، هو الرغبة في الإنتقال من “المجهول” إلى “المعلوم” لتقليل مخاوفه، ويفضل العقل البشري القبول بأي تفسير (حتى لو كان غير منطقي أو صعب التصديق)، على أن يبقى في حالة ضياع أمام أمر مبهم وغير مفسر.
وأكمل “طبيعة الإنسان تتحرك دائماً بين المعلوم والمجهول؛ فالتركيبة النفسية المستقرة (الواقعية) تجد أمانها في الماديات والمعلومات الثابتة، بينما التركيبة النفسية القلقة (الذهانية)، تبحث عن الأمان عبر التمسك بالغيبيات وتفسيرات المستقبل لتغطية مخاوفها، وهي التي تلجأ للإيمان بمعتقدات الأبراج وقراءة التاروت”.
الضغوط العاطفية

ومن جانبه، قال المهتم بأمن المعلومات والمستشار التقني نضال حسين آل مسيري: “أعتقد أن الانتشار الكبير لقراءة الأبراج والتاروت والفنجان في السنوات الأخيرة، مرتبط بعدة عوامل نفسية وتقنية واجتماعية، وليس مجرد ترفيه عابر، كما يظن البعض”.
وتابع “من الناحية النفسية، الإنسان بطبيعته يبحث عن الطمأنينة وفهم المستقبل، وتقليل القلق، خصوصًا في فترات الضغوط العاطفية أو الغموض أو الوحدة، لذلك نجد أن بعض الفتيات والشباب ينجذبون لمحتوى الأبراج والتاروت، لأنه يعطي شعورًا مؤقتًا بالفهم والاحتواء والإجابات الجاهزة”.
وأكمل “أما علميًا، فالأبراج لا تُعتبر علمًا قائمًا على أسس وتجارب قابلة للإثبات، بل تُصنف ضمن المعتقدات والتفسيرات العامة، التي تعتمد غالبًا على التعميم النفسي، بحيث يشعر الشخص أن الكلام “يشبهه” حتى لو كان عامًا، وينطبق على عدد كبير من الناس”، مضيفاً “بالنسبة للتاروت وقراءة الفنجان، فهي ليست علومًا مثبتة، بل ممارسات تدخل بين التسلية والتأثير النفسي، وفي بعض الحالات، قد تتحول إلى نوع من الاستغلال العاطفي أو المالي أو حتى التعلق النفسي الخطيرعند بعض الأشخاص”.
وتطرق المسيري إلى خوارزميات الذكاء الصناعي، وقال: “ساهمت تطبيقات الهواتف ومنصات مثل “تيك توك” و”سناب شات” في انتشار هذا المحتوى بشكل ضخم، بسبب خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تركز على المحتوى المثير للمشاعر والفضول، فكلما شاهد المستخدم مقطعًا واحدًا عن الأبراج أو التاروت تبدأ المنصة بعرض عشرات المقاطع المشابهة، مما يصنع حالة من التكرار والإدمان النفسي التدريجي”.
تحويل الخرافات
وتابع المسيري: “كما أن بعض التطبيقات تطلب صلاحيات واسعة أو تجمع بيانات المستخدمين واهتماماتهم النفسية والعاطفية، بهدف الاستهداف الإعلاني أو إبقاء المستخدم أطول فترة ممكنة داخل التطبيق و المشكلة هنا ليست فقط في “قراءة برج”، بل في تحول بعض الشباب إلى الاعتماد النفسي على هذه المحتويات لاتخاذ قرارات عاطفية أو اجتماعية أو حتى مصيرية، لذلك من المهم نشر الوعي، وتعزيز التفكير النقدي، وتعليم الجيل الجديد الفرق بين الترفيه، وبين تحويل الخرافة إلى مرجع نفسي أو حياتي”.

ووافقه الرأي حسين عباس مدير إدارة تقنية المعلومات بإحدى الشركات الخاصة، الذي قال: “تطبيقات الأبراج والتاروت اليوم ليست مجرد “شعوذة وخرافات قديمة” أو مادة نقرأها للترويح والترفيه، كما درج البعض قديماً أيام الصحافة المطبوعة، بل هي “شعوذة رقمية مُهندسة برمجياً”، لأنها تستخدم أحدث تقنيات تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي لاختراق خصوصية الشباب وتحويل فضولهم الفطري إلى إدمان رقمي ومكاسب مالية، مستغلةً غياب الوعي التقني بطبيعة عمل هذه الخوارزميات”.
للقانون رأي

وللموضوع رأي قانوني، مثله المحامي سعيد الغريافي، قائلاً: “كان علم الفلك قديماً يُستخدم لمعرفة الأوقات والاتجاهات، وهو أمرٌ مباح، أما أبراج الحظ والتنجيم المنتشرة على منصات التواصل الاجتماعي والتي تروي البشائر تارةً، والأحزان أخرى، فلا أصل علمي لها، ومنهي عنها في الإسلام، ومعروف أن كل ما هو محرُم شرعاً، فهو مجرُم قانوناً”.
وتابع “من ناحية القوانين والأنظمة المعمول بها في المملكة، فرغم أن لم يرد فيها أي نصوص قانونية صريحة تجرُم قراءة الفنجان أو استخدامات أوراق التاروت، أو قراءة الطالع والابراج، فهي منهي عنها شرعا ومحرُمة، إذا كانت من باب التنجيم والشعوذة،
وبالضرورة، ما هو محرٌم شرعا فهو مجرٌم قانوناً، لأن المملكة تعتمد الشريعة الإسلامية مصدراً لقوانينها، وأيضاً يمكننا القول أن قراءة الفنجان أو أوراق التاروت وما شابهها يعتبر كل ما ينتج عنها من تصرفات مفترضة، تعتبر ذات تكييف قانوني محدد، وتصنف على أنها جرائم في 5 حالات هي:
– قضايا النصب والإحتيال، متى أقترن طلب القراءة بمقابل مالي، فيكون خداعاً وإيهاماً وإستيلاء على أموال الناس دون وجه حق، وقد نص نظام مكافحة الاحتيال المالي وخيانة الأمانة على أنه: “يعاقب بالسجن مدة تصل إلى سبع سنوات وبغرامة تصل إلى خمسة ملايين ريال أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من استولى على مال للغير عن طريق الاحتيال أو الخداع”. وينطبق ذلك على الحالات التي يتم فيها ادعاء القدرة على معرفة المستقبل أو تغييره، واستغلال الحالة النفسية للمتلقي، وتقديم “خدمات” غير قائمة على أساس حقيقي مقابل مبالغ مالي.
وهو ما أكده زميله المحامي ثامر ال محيسن منوها إذا كنت تتلقى شيء بمقابل مادي كخدمة وإدعاءا لعلم الغيب أو التكهن به هنا يمكن تقديم بلاغ أعمال السحر والشعوذة أمام الشرطة أو هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
ترنيمات وطقوس

رأي مطابق رأته المحامية والمحكم التجاري د. رباب احمد المعبي مؤكدة أن ممارسات قراءة التاروت والفنجان تتجاوز حدود الوهم إلى الشرك الخفي حيث قالت ” عندما يتوهم المستفيد بأن الأقدار والأحداث تُدارعبر ترنيمات أو طقوس معينة، يُعتقد أنها تجلب الحب أو المال أو النجاح تظهر الخطورة العقدية؛ لأن هذه الممارسات تُعلّق القلوب بمخلوقات وأوقات ورموز لا تملك لنفسها نفعًا ولا ضرًا، فضلًا عن أن تملك تغيير أقدار البشر.
وهذا الخلط الخطير بين الإيمان والخرافة يُعد مدخلًا للشرك الخفي الذي حذر منه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: الشِّركُ أخفى في أمَّتي من دبيبِ النَّملِ على الصَّفا في اللَّيلةِ الظَّلماءِ وأدناهُ…
وفي المقابل، فإن ديننا الإسلامي يدعو إلى التفاؤل، وحسن الظن بالله، والتفكير الإيجابي، والتأمل في خلق الله، والسعي والعمل والأخذ بالأسباب، دون الانزلاق إلى الخرافات أو التعلق بالأوهام.
كسب غير مشروع
وأكملت كما أن الخطورة تمتد إلى استغلال الناس عبر بيع “جلسات طاقة”، “قراءات مصير”، “إرجاع الحبيب”، “فتح النصيب” وقد تدخل هذه الممارسات تحت مظلة الاحتيال الإلكتروني والممارسات المضللة والكسب غير المشروع، وقد تصل في بعض الحالات إلى الابتزاز والاستغلال المالي والنفسي.
حسابات وهمية
ولفتت المعبي إلى أن كثيرًا من هذه الحسابات تُدار من خارج الدولة، دون أي تراخيص نظامية، في حين أن الأنظمة في المملكة العربية السعودية لا تسمح بممارسة المهن الاستشارية أو العلاجية إلا من خلال تراخيص صادرة من جهات مختصة، ومؤهلات معترف بها، وتحت رقابة قانونية وتنظيمية واضحة.
وإختتمت يبقى الوعي، والتوازن الفكري والنفسي والديني، هو الحصن الحقيقي أمام أي استغلال أو تعلق مفرط بهذه الممارسات، فالإيمان الصحيح والعقل الواعي هما خط الدفاع الأول ضد الخرافة والوهم مهما تغيرت أسماؤهما أو أساليب تسويقهما.
https://khlijm.com/18205718414066/
خليج الديرة



أكتب تعليقاً
يجب أن تسجل دخولك لتكتب تعليقاً.