وسائل التواصل الاجتماعي.. هل تعالجنا أم تعيد تشكيل وعينا؟

مارس 9, 2026 11:23 ص Published by

هل من الممكن أن تصبح وسائل التواصل الاجتماعي وسيلة للعلاج النفسي؟

لم تعد السوشال ميديا مجرد أداة للترفيه أو الاتصال. أحيانًا، تظهر كأنها مرآة رقمية تعكس مشاعرنا الداخلية، وتقترح مقاطع ومحتويات تلامس ما نشعر به بدقة غريبة.
ومن هنا يطرح التساؤل: هل يمكن اعتبار هذه المنصات أداة مساعدة في العلاج النفسي؟

وفي الإطار العام، عندما يقوم المستخدم بمشاهدة فيديو يتعلق بالقلق أو العلاقات أو اضطراب الشخصية أو الاكتئاب، تبدأ الخوارزميات في تقديم محتوى مماثل له. ومع مرور الوقت، تتشكل لديه بنية معرفية رقمية تُشبه “خريطة وعي” تقوده إلى التفكير أعمق في مشاعره وسلوكياته.
هذا ليس علاجًا سريريًا، بل يشبه جلسة توعية عامة يقودها الذكاء الاصطناعي من الخلف.
وربما يكون الأدق أن نقول إننا لا “نُعالج” من خلال السوشال ميديا، بل “نستثمرها” كوسيلة توعوية تعين على تسريع وصول المعلومات النفسية، وتُحفز الرغبة في السعي وراء المساعدة المتخصصة.

على الرغم من أن “العلاج عبر وسائل التواصل الاجتماعي” ليس مصطلحًا معتمدًا حاليًا، إلا أن أبحاثًا جديدة — بما في ذلك تلك المنشورة في Journal of Medical Internet Research (2025) — تشير إلى أن المحتوى النفسي التعليمي قد يساعد في تحسين الحالة المزاجية وزيادة الوعي الذاتي حول المشاكل والاضطرابات النفسية.
لكن هذا النوع من التأثير يعتمد على الوعي والنية أثناء الاستخدام، وليس على المنصة بذاتها.
هناك ضرورة للتأكيد على أن الوعي ليس كافياً؛ فالعلاج المهني يتطلب تقييمًا دقيقًا، وأدوات تشخيصية، ومقاييس مُقننة، ومتابعة متخصصة لكل حالة بشكل منفرد. فالمحتوى الرقمي قد يتيح الفرصة، لكنه لا يعوض عن المعالجة العلمية المرتكزة على التشخيص الفردي.

كيف تستطيع الخوارزميات تحليل مشاعر الناس؟

الخوارزميات لا تدرك “من تكون”، لكنها تفهم كيفية التصرف.
تسجل فترة المشاهدة، والملاحظات، وأنواع المقاطع الصوتية التي تفضلها، وحتى أوقات تصفحك.
من هذه الأنماط تُشكل بصمة سلوكية رقمية تُستعمل لتخصيص المحتوى الذي يتماشى مع حالتك الذهنية دون أن تلاحظ ذلك.

وهنا تظهر الإشكالية الكبرى: فالمنصة قد تمنحك محتوى يساعدك على الفهم، لكنها في الوقت نفسه قد تُحاصرك في دائرة معرفية ضيقة لا تعكس الواقع بالكامل.

في ظل ما تقدمه المنصات من فائدة ومخاطر، يمكن أن تكون المنافع المحتملة متمثلة في زيادة الوعي بالسلوكيات والعواطف، والإحساس بالتقدير والانتماء، إضافة إلى اكتساب مهارات أفضل في إدارة الذات وفهم أعمق للمشاكل والاضطرابات النفسية.
لكن في المقابل تظهر تحديات حقيقية مثل الإفراط في استهلاك المحتوى النفسي بطريقة تثير القلق، أو تعزيز بيانات غير دقيقة أو غير معمقة، وكذلك تكوين هوية مبنية على التحليل الذاتي فقط، مع تجاهل أهمية العلاج المهني المباشر.
وقد يزيد الأمر خطورة حين يحدث خلط بين “الإدراك” و“العلاج”، مما يؤدي إلى تأخير الحصول على المساعدة المتخصصة.

ولتجنب هذه الإشكالات، يكون الوعي في الاستخدام هو الأساس؛ باختيار مصادر موثوقة تُشرف عليها جهات مهنية.
تأكد من أن المعلومات صحيحة ومبنية على أساس مهني قبل البدء بأي ممارسة.
لا تعتمد على المنصات كوسيلة للعلاج، بل اجعل دورها مقتصرًا على الفهم والتثقيف.
وحافظ على السيطرة على خوارزميتك حتى لا تُوجّهك دون وعي، واستفد من الخبراء عند الحاجة، فالمحتوى الرقمي يمنح وعياً… لكنه ليس بديلاً عن العلاج الحقيقي.

مرآة الذكاء الاصطناعي… هل تعكس الحقيقة أم ما نريد أن نراه؟

من الناحية التقنية، تؤدي الخوارزميات وظيفة تحليل نفسي غير مباشر: فهي تكشف لك ما يثير اهتمامك، وما تبتعد عنه، وما يتكرر بلا وعي.
هي ليست لديها رغبة في الشفاء، لكنها تتيح لك مرآة إلكترونية تعكس ما يحدث في أعماقك.

وهنا يُطرح مفهوم “مرآة الذكاء الاصطناعي”: فكما تعكس المرآة العادية ملامح الوجه، تعكس الخوارزميات ملامح النفس — لكنها لا تُظهر العيوب كلها، ولا تُبرز التناقضات، بل تُري ما تظنه مهمًا وفق سلوكك الرقمي فقط. وهذا يجعل المستخدم يشعر أحيانًا بالارتباط العاطفي مع المنصات لأنها تبدو وكأنها تفهمه، بينما الحقيقة أنها تفهم بياناته لا مشاعره.

لكن الخوارزميات ستبقى وسيلة لمراقبة السلوك، وليست معالجة قادرة على تقييم الظروف أو توجيه خطة علاجية — على الأقل في الوقت الراهن.
لأنه عندما تُستخدم بوعي، تصبح وسائل التواصل الاجتماعي من مصدر إزعاج… إلى أداة وعي تشجع على السعي نحو التغيير.

قد لا تُعتبر السوشال ميديا علاجًا بالمعنى الصحي، لكنها تجربة إلكترونية تستحق البحث.
فكل تفاعل إلكتروني يحمل معنى يمكن أن يساعدنا على فهم ذواتنا بشكل أفضل.
لكن الفهم لا يدل على الرضى. فالعلاج الفعلي يبدأ عندما يتحول هذا الوعي إلى إجراء عملي نحو الاستشارة والتقييم المتخصص.

ويبقى التساؤل قائمًا:
هل نحن نستعمل الخوارزميات… أم أننا نتركها تستعملنا؟

قسم :

بواسطة :admin


أكتب تعليقاً

يجب أن تسجل دخولك لتكتب تعليقاً.