حصة انتظار
يوليو 13, 2026 4:34 موصلتني رسالة من وكيل المدرسة في بداية اليوم الدراسي:
“لديك الحصة الثانية انتظار.”
أغلقت الهاتف، ولم أفكر كثيرًا في الأمر. فبعض الفرص تأتي أحيانًا متخفية في تفاصيل يومية عابرة، وكانت حصة الانتظار واحدة منها.
وعندما دخلت الفصل في الحصة الثانية، قررت أن أترك الكتب والدفاتر جانبًا، وأن أفتح موضوعًا أقرب إلى عالمهم.
سألتهم:
كم ساعة تقضونها يوميًا على الجوال؟
تبادلوا النظرات والابتسامات.
أجاب أحدهم:
– يمكن ثمان ساعات يا أستاذ.
لم أتعجب، فالأرقام الرسمية التي نسمعها اليوم أصبحت أكبر بكثير مما كنا نتخيله قبل سنوات.
سألت طالبًا آخر:
– هل تتابع البثوث والمشاهير؟
قال بثقة:
– نعم يا أستاذ.
قلت له:
– وما الفائدة التي تحصل عليها؟
صمت قليلًا ثم ابتسم.
قلت:
– هم يحصلون على المشاهدات، والمتابعين، والشهرة، والدخل المادي… وأنت ماذا حصلت؟
ساد الصمت للحظات.
لم يكن هدفي توبيخهم، بل دعوتهم للتفكير.
انتقلت إلى سؤال آخر:
– لماذا أغلبكم يستخدم أسماءً مستعارة أو حروفًا بدل أسمائهم الحقيقية؟
رفع أحد الطلاب يده وقال:
– ما أحب أظهر اسمي.
كانت إجابة قصيرة، لكنها حملت معنى أكبر من كلماتها، وكأنها تختصر جانبًا من حياة جيل يعيش جزءًا كبيرًا من حضوره في العالم الرقمي بشكل مختلف.
ثم سألتهم:
– ما أكثر شيء تمارسونه يوميًا؟
جاءت الإجابات متشابهة:
– ستريك يا أستاذ.
– بثوث.
– ريلز.
– ألعاب.
فقلت لهم:
– وماذا لو خصص كل واحد منكم ساعة واحدة فقط يوميًا لتعلم مهارة جديدة؟
التصميم.
المونتاج.
الذكاء الاصطناعي.
البرمجة.
الاستثمار.
الإستماع للكتب الصوتية
ثم أضفت:
– بعد سنة واحدة فقط، كم ستكون النتيجة مختلفة؟
هذه المرة لم تأتِ الإجابات بسرعة كما جاءت في الأسئلة السابقة. ظهرت على بعض الوجوه ملامح تفكير حقيقية، وكأن السؤال فتح نافذة لم يلتفتوا إليها من قبل.
وفي تلك اللحظة أدركت أن أبناء هذا الجيل لا تنقصهم الأدوات، ولا تنقصهم الفرص، بل يحتاجون أحيانًا إلى من يلفت انتباههم وتوجيههم إلى الإمكانات الهائلة الموجودة بين أيديهم.
فنحن كثيرًا ما نسألهم:
كم ساعة تقضون على الجوال؟
لكن السؤال الأهم هو:
ماذا صنعت لكم تلك الساعات؟
انتهت حصة الانتظار، وغادر الطلاب الفصل كما يغادرون عشرات الحصص كل أسبوع.
وربما نسي بعضهم الأسئلة بعد دقائق.
لكنني بقيت أفكر في سؤال واحد:
حين يقضي الإنسان ساعات طويلة أمام الشاشة، فالقضية ليست كم ساعة أمضاها… بل ماذا جنى خلالها.
فبين من يكتفي بالمشاهدة، ومن يتعلم مهارة جديدة، أو يطوّر فكرة، أو يصنع مشروعًا صغيرًا.
تتشكل فيه ملامح المستقبل.
قسم : مقالاتي
بواسطة :admin



أكتب تعليقاً
يجب أن تسجل دخولك لتكتب تعليقاً.