حين يصبح الكراج محطة أخيرة
يوليو 13, 2026 4:35 ممشهد يتكرر كل يوم.
نعود من العمل، أو من مشوار طويل، نصل إلى المنزل، ونركن السيارة في الكراج، لكننا لا ننزل مباشرة.
نبقى قليلًا داخل السيارة.
نتصفح الأخبار، نشاهد بعض المقاطع، نرد على الرسائل، أو ربما نمسك الهاتف فقط دون أن نفعل شيئًا مهمًا.
تمر خمس دقائق، ثم عشر، وربما أكثر.
قد يبدو الأمر عادة بسيطة، لكنه في الحقيقة يكشف شيئًا لا ننتبه إليه كثيرًا.
فالسيارة في تلك اللحظة لا تكون مجرد وسيلة نقل، بل تتحول إلى مساحة صغيرة ومعزولة عن ضجيج اليوم.
مكان لا توجد فيه طلبات عاجلة، ولا أسئلة تنتظر إجابة، ولا مهمة يجب أن تبدأ فورًا.
خلفنا يوم طويل لم ينته أثره بعد.
وأمامنا منزل يحمل مسؤوليات أخرى.
فنجد أنفسنا عالقين للحظات بين عالمين.
عالم الخارج بما فيه من ضغط العمل، وزحام الطريق، والأحاديث التي بقيت في الرأس.
وعالم الداخل بما فيه من الأسرة، والطلبات، والتفاصيل اليومية التي تنتظرنا خلف الباب.
لهذا قد لا يكون بقاؤنا في السيارة مرتبطًا بالجوال أصلًا.
فالهاتف أحيانًا مجرد وسيلة نبرر بها تلك الوقفة.
نفتح تطبيقًا، نغلقه، ننتقل إلى آخر، ونشاهد أشياء لا تهمنا فعلًا.
لكننا في الحقيقة لا نبحث عن خبر جديد، ولا عن مقطع آخر.
نحن نبحث عن لحظة لا يطلب منا فيها أحد شيئًا.
لحظة لا نكون فيها موظفين، ولا آباء، ولا أزواجًا، ولا مسؤولين عن أي قرار.
مجرد دقائق قصيرة نستعيد فيها هدوءنا قبل أن ننتقل من دور إلى آخر.
واللافت أن هذا السلوك لا يحدث بتخطيط مسبق.
لا يقرر أحد وهو في الطريق أنه سيجلس عشر دقائق داخل السيارة بعد وصوله.
لكن كثيرين يفعلون ذلك تلقائيًا.
يصل الجسد إلى المنزل، بينما يبقى العقل قليلًا في الطريق.
ولهذا تتشابه هذه العادة بين أشخاص مختلفين في أعمارهم وأعمالهم وظروفهم.
ليست لأنهم لا يرغبون في دخول منازلهم.
وليست لأنهم يهربون من أسرهم.
لكن لأن الإنسان، وسط إيقاع الحياة السريع، يحتاج أحيانًا إلى مساحة فاصلة بين مسؤولية انتهت، وأخرى بدأت.
قد لا نحتاج إلى إجازة طويلة.
ولا إلى عزلة كاملة.
ربما نحتاج فقط إلى بضع دقائق صامتة داخل سيارة متوقفة.
نرتب فيها أفكارنا.
نلتقط أنفاسنا.
ثم نفتح الباب، وندخل إلى الجزء الآخر من يومنا.
وحين يصبح الكراج محطة أخيرة، فربما لأن الطريق انتهى فعلًا، لكننا نحن لم نصل بعد.
قسم : مقالاتي
بواسطة :admin



أكتب تعليقاً
يجب أن تسجل دخولك لتكتب تعليقاً.