عزلة نختارها… أم تختارنا؟
أكتوبر 11, 2026 6:23 مهناك شعور ألتقطه في نفسي كثيرًا مؤخرًا: أكون خارج المنزل، وبين الناس، وربما في مكان لا ينقصه شيء… ومع ذلك أشعر برغبة واضحة في العودة.
لا لأنني متعب، ولا لأن لدي عملًا ينتظرني.
بل لأنني أريد العودة إلى مكاني المعتاد، إلى الكرسي الذي أحب، ومشروبي المفضل، والهدوء الذي أرتاح له… ثم أمسك هاتفي وأتنقل بين التطبيقات بلا هدف محدد.
مقطع، خبر، رسالة، صورة، تعليق… ثم تمضي الدقائق دون أن أشعر.
وفي تلك اللحظة أشعر براحة حقيقية.
وهنا بدأت أسأل نفسي: هل هذه الراحة نابعة من العزلة نفسها، أم من الهاتف الذي أصبح جزءًا من طقوسها؟
الهاتف اليوم لم يعد مجرد وسيلة اتصال، بل أصبح مساحة نلجأ إليها حين نشعر بالملل أو التوتر، أو حين نرغب في الابتعاد قليلًا عن الناس وضجيج الحياة.
ولكل واحد منا مكانه الخاص؛ غرفة، زاوية في البيت، كرسي معين، أو حتى الكراج. مكان يشعر فيه أنه بعيد عن الالتزامات والأسئلة، وأنه يملك وقته أخيرًا.
وهذا ليس أمرًا سيئًا في حد ذاته.
فالإنسان يحتاج إلى الهدوء والعزلة أحيانًا.
لكن ما يستحق التأمل هو أن الهاتف أصبح حاضرًا دائمًا داخل هذه العزلة، حتى بات من الصعب أحيانًا أن نعرف: هل نحن نبحث عن الهدوء، أم نبحث عن الشاشة؟
تطبيقات التواصل تجعل الانتقال من شيء إلى آخر سهلًا جدًا. كل حركة إصبع تحمل شيئًا جديدًا، وإذا لم يعجبنا ما نراه ننتقل فورًا إلى غيره.
أما الحياة الحقيقية فلا تعمل بهذه السرعة.
فيها انتظار، وفيها صمت، وفيها أوقات لا يحدث فيها شيء.
وربما لهذا أصبح الفراغ نفسه مزعجًا للبعض.
يكفي أن نجلس دقائق من دون شيء حتى تمتد أيدينا تلقائيًا إلى الهاتف.
أنا أستطيع أن ألاحظ هذا الشعور في نفسي وأناقشه.
أستطيع أن أسأل: لماذا أريد العودة إلى البيت بسرعة؟ ولماذا أبحث عن هاتفي فور جلوسي؟ وهل أنا أختار هذه العزلة فعلًا، أم أنها أصبحت عادة لا أفكر فيها؟
مجرد طرح هذه الأسئلة يجعلني أكثر وعيًا بما يحدث.
لكن هنا يأتي السؤال الأهم:
ماذا عن الشباب والمراهقين والأطفال؟
ماذا عن مراهق نشأ والهاتف جزء طبيعي من حياته منذ طفولته؟
هل يستطيع أن يميز بسهولة بين الراحة والهروب؟
بين أن يختار الجلوس وحده، وأن يصبح غير قادر على تحمل الوقت بلا شاشة؟
المراهق ما يزال يبني صورته عن نفسه وعن الآخرين، ثم يجد أمامه عالمًا كاملًا من الصور والمقاطع والمقارنات والإعجابات، وحياة تبدو دائمًا أجمل وأسرع وأكثر إثارة من حياته اليومية.
نحن الكبار قد نفهم أن ما نراه في مواقع التواصل ليس الصورة كاملة.
لكن هل يملك الشاب دائمًا هذا الوعي؟
وهل يعرف متى يقول لنفسه: كفى؟
ومع ذلك، لا أعتقد أن الحل هو محاربة التقنية أو منعها، فهذا غير واقعي.
ربما الحل أن نعلّم أبناءنا، ونتعلم نحن أيضًا، أن نراقب علاقتنا بها.
أن نسأل أنفسنا من وقت إلى آخر:
هل أستخدم الهاتف لأنني أريده؟
أم لأنني لم أعد أعرف ماذا أفعل بدونه؟
هل هذه عزلة أختارها لأرتاح؟
أم أنها عزلة بدأت تختارني؟
أنا لا أخاف من الهاتف، ولا من الجلوس وحدي.
بل أحب الاثنين أحيانًا.
لكن ما يستحق الانتباه هو ألا نفقد، بهدوء ومن دون أن نشعر، قدرتنا على الاختيار.
العزلة حين نختارها راحة… وحين تختارنا هي، تصبح سؤالًا يستحق أن نتوقف عنده.
قسم : مقالاتي
بواسطة :admin



أكتب تعليقاً
يجب أن تسجل دخولك لتكتب تعليقاً.